شهد العام 1983 مقدمة تحولات مهمة على خارطة العمل الطلابي والسياسي في الساحة الفلسطينية على مستوى الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة ، وجامعة بيرزيت أحد الشواهد على فاعلية انخراط الحركة الإسلامية بالواقع السياسي وتفاعلها مع البيئة الأكثر سخونة وحيوية في صراع الأفكار وهي قطاع الجامعات ، لم يكن دخول الكتلة الإسلامية إلى ساحة العمل الطلابي في الجامعة انخراطها فيه بالأمر سهل ، بل واجهت الكثير من المعوقات ولكنها بقيت تتقدم وتظهر من القدرة على تنفيذ برنامجها ما يشجع الأنصار ويغيظ المناكفين .
واليوم ، وبعد 27 عام من مشاركتها في أول انتخابات طلابية ، يحتجب اسم الكتلة الإسلامية عن قائمة المشاركين بالانتخابات الطلابية المقبلة في بيرزيت بفعل ملاحقة عناصرها من قبل الأجهزة الضفة منذ أكثر من 32 شهراً ، وقد جوبهت الحركة الإسلامية منذ دخولها معترك المنافسة مع الفصائل الأخرى على قيادة الواقع الطلابي الفلسطيني ، بالعنف والغلظة .
الكتلة الإسلامية في بير زيت تقاطع انتخابات مجلس الطلبة المقبلة
الكردي : كنا نعبر عن أنفسنا بتعليق اللافتات على أجسادنا
تعرضت الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي ل" حماس " في بيرزيت للقمع من قبل " حركة الشبيبة " التابعة لـ"فتح " كما يقول المهندس بشار الكردي أحد مؤسسي الكتلة الإسلامية في بيرزيت ، ويضيف لـ " فلسطين " إن الكتلة الإسلامية كانت تمنع بالقوة في البداية من ممارسة نشاطها ومن ممارسة حقها في التعبير عن ذاتها .
يستذكر واحدا من أكثر المواقف دلالة على مدى التضييق في منع أي فرصة من شأنها أن تترك مساحة للإسلاميين ، حيث كان أبناء الكتلة يعلقون اللوحات والبيانات المعبرة عن مواقفهم على ظهورهم نظرا امنعهم من تعليقها على الجدران .
ويصف المهندس الذي غزا الشيب رأسه ، إبعاد الكتلة الإسلامية عن الأجواء الانتخابية اليوم " بالأمر المحزن "مشيراً إلى أن الكتلة الإسلامية أيادي بيضاء كثيرة في التعامل مع الواقع الطلابي والأكاديمي في بيرزيت .
وكذلك من خلال مسيرة النضال التحرري الفلسطيني ، ويقول الكردي " إن الضغوط على الكتلة الإسلامية كانت أحيانا تصل حد المواجهة و الاعتداء على عناصرها بالضرب ومنعها ب" قوة الثورة " وباسم " منظمة التحرير الفلسطينية " من أداء رسالتها.
ويضيف " كثيرا ما كان شباب الكتلة الإسلامية يتعرضون لإصابات خطيرة بعد الاعتداء عليهم إثر مواقف كتلتهم الإسلامية .
ويتذكر المهندس الكردي كيف حوصرت مسيرة الانطلاق التي أعلن فيها عن ميلاد الكتلة الإٍسلامية. وكيف تعرض المشاركون فيها للضرب بالعصي والهراوات والرشق بالحجارة من مؤيدي حركة " فتح " واليسار الفلسطيني " الذين شعروا بخطورة منافسهم الجديد الذي يمثله " الإسلاميون " .
ويقول " كانت مسيرة الانطلاق إيذانا بميلاد عصر جديد عصر الكتلة الإسلامية في الجامعة التي كان يتقاسم السيطرة عليها اليسار وأبناء حركة فتح وكانت مسيرة الكتلة الإسلامية يومها قوية وحاشدة . فلم يتمالك القوم أنفسهم . وهاجموها بشراسة في الموقف الذي أصبح يعرف هنا تاريخيا باسم " أحداث 83 "
تقدم نحو القيادة
مرت السنوات وصبرت الكتلة برجالاتها في وجه المعيقات الكبيرة إلى أن جاءت الثمرة الأولي عام 1997 . يقول الكردي " إن ذلك العام كان نقطة تحول مهمة في تاريخها الملئ بالتضييق والملاحقة. حيث استطاعت ولأول مرة أن تحصل علي أغلبية الأصوات الطلابية وتشكل أول مجلس طلبة بقيادتها .
ويبين أنه ورغم تشكيل الكتلة الإسلامية المجلس الأول بقيادتها في بيرزيت في عام 1997 . إلا أن ذلك لم يكن فوزها الأول . فقد حققت أعلي مجموع أصوات بين الكتل الطلابية منذ استئناف الدراسة الجامعية بعد اندلاع الانتفاضة في عام 1993 لكن تحالفات " فتح " و " اليسار " كانت تحرمها تشكيل المجلس .
بقي مجلس طلبة بيرزيت بيد " أنصار حماس " منذ عام 1997 حتى العام 2000 وظلت الكتلة الإسلامية تزيد من الفارق الذي تتقدم فيه عن منافساتها من الكتل الطلابية عاماً بعد آخر . حتى انقطع إجراء الانتخابات لمدة ثلاثة أعوام مع بدء انتفاضة الأقصى وشكلت مجالس الطلبة بالتوافق بين الكتل كانعكاس لحالة الوحدة الوطنية التي عاشها الشارع الفلسطيني ذلك الوقت وعادت الكتلة الإسلامية لتفوز في أول انتخابات أجريت عام 2003 بحصولها على 25 مقعدا وهو ما يقارب نصف مقاعد مؤتمر مجلس الطلبة وبالرغم من الصعوبات التي كانت تكتنف الحياة النقابية في جامعة بيرزيت من اعتقالات واختطافات كانت تعمد إليها قوات الاحتلال بحق أبناء الكتلة الإسلامية وقادتها . فلم تستطع كل تلك الأحداث الجسام النيل من وجود الكتلة واستمرارها في خدمة الطلبة .
لكن الكتلة الإسلامية أخفقت عام 2005 في تشكيل مجلس الطلبة . حيث تساوت بعدد المقاعد التي فازت بها في المؤتمر العام مع تلك التي حصلت عليها كتلة " فتح " التي أخفقت أيضا في تشكيل المجلس إلى أن جاءت انتخابات عام 2006 والتي عادت الكتلة الإسلامية من خلالها لأخذ زمام الأمور والفوز في تشكيل مجلس الطلبة وبعدها أيضا عام 2007 .
المرحلة الأشد ظلاماً
أما عام 2008 فقد كان عام الملاحقة والاعتقال والقمع والاعتداء وسرقة ممتلكات الكتلة وأرشيفها من قبل الأجهزة الأمنية في رام الله وحركة " الشبيبة " التي أعلنت الكتلة الإسلامية محظورة داخل أورقة الجامعة وتم اعتقال العشرات من أبنائها والزج بهم في غياهب السجون الفلسطينية.
ويقول محمد خليل . من قادة الكتلة الإسلامية في بيرزيت لــ " فلسطين " إن تجربة الواقع الطلابي في جامعات الضفة الغربية في مرحلة ما بعد الحملة على المقاومة التي شرعت السلطة وحركة " فتح " في رام الله بتنفيذها تجربة مريرة بكل المقاييس .
ورغم مسلسل طويل ومشهد دام من القمع الذي تعرضت له الكتلة الإسلامية منذ تلك الحملة التي مر عليها أكثر من 32 شهراً . إلا أنها شاركت في الانتخابات وحصلت على 19 مقعدا وبفارق مقعدين فقط عن حركة " الشبيبة " .
ويوثق أحد أعضاء اللجنة القيادية للكتلة الإسلامية أحداثا مهمة عن تلك المرحلة وانتخابات العام 2007 بقوله " عندما توجهنا للقيادة والجهات المسئولة عن القطاع الطلابي في حركة حماس واستشرناها في شأن المشاركة أبلغونا أن القرار متروك لنا لتقييمه من أرض الميدان .
ويضيف ذات الشاب لــ " فلسطين " كنا نعرف أننا مقبلون على تحد كبير من جهة ما يمكن أن تفعله فتح لتفوز ونفهم أنها يمكن أن تحرق بيرزيت كاملة إذا كان هناك فوز للكتلة الإسلامية . لكن كنا نريد الرد على تبجحهم بأن حماس لم يعد لها رصيد جماهيري أو شعبية بعد الانقسام .
ويضيف " لقد دخلنا الانتخابات تماما كمن يصل إلى جزيرة ويحرق المراكب . كنا نعرف أننا كقادة للكتلة الإسلامية سندفع ثمنا باهظا وقد دفعناه فعلا لكن كان هناك ما نفكر به أكثر من سلمتنا وأمننا "
مثلت نتيجة انتخابات عام 2008 صدمة كبيرة لحركة " فتح " وتلقي قادة الكتلة الإسلامية النتائج وهم مشردون في الجبال . وما أن بدأت الأحوال تستقر حتى كانوا جميعاً في ضيافة الأمن الفلسطيني .
عودة ميمونة
وقد شهد العام الماضي 2009 عودة قوية للكتلة الإسلامية عندما عادة لخوض الانتخابات وحصلت على 22 من مقاعد المؤتمر العام لمجلس الطلبة الـ 15 .
يقول محمد خليل عن هذه المحطة " إنها كانت وقفة من أجل الله والتاريخ " ويفصل ذلك بقوله " عندما تحصل على نسبة قريبة من الـ 45% دون أن تكون لديك موارد ودون أن تقدم رسالتك وبرنامجك السياسي ودون أن تفرغ طاقاتك في الدعاية الانتخابية فاعلم أن الجمهور معك "
ويضيف " خضنا هذه الانتخابات بأقل من 10 % من طاقتنا الحقيقية . لكن النتائج لم تكن إلا شرارة لبدء حملة جديدة بحق الديمقراطية لتشرع الأجهزة الأمنية في حملات اعتقالات طالت 70 طالباً من أبناء الكتلة وأعضاء مجلس الطلبة وأعضاء المؤتمر العام " وأكملت قوات الاحتلال المشهد باعتقال بقية الصف القيادي في الكتلة الإسلامية .
قرار المقاطعة
وتواصلت الحملة وتصاعد مسلسل الاعتداءات الذي تعرضت له الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت كان القلق يسيطر في مقاطعة رام الله أن تتجاوز مفاجأة " الحسم " حسم مجلس الطلبة طبعا .
يقول أحمد خليل إن قادة الكتلة الإٍسلامية وعناصرها لم يحصلوا على يوم واحد للراحة منذ التقدم الكبير في الانتخابات الطلابية الأخيرة . وأن السياط ألهبت ظهور كثير منهم .وما حكاية الشاب نجيب مفارجة الذي فقد نصف وزنه في زنازين أريحا إلا مثال صارخ على ذلك .
لكن قياديا آخر من الكتلة الإسلامية يري أن الحرب التي شنت كانت تحمل في ثناياها أهدافا كثيرة هو " العقاب " يقول ذلك القيادي الذي يبدو أن الكتلة الإسلامية تحرص على إبقائه مجهول الهوية ذخرا لجولة مقبلة وعقابا على التقدم في الانتخابات وعقابا على الانتماء لـ " حركة حماس " وعقاباً على دور أبناء الكتلة الإسلامية في انتفاضة الأقصى التي تشير إحصائيات إلي أن عدد القتلى الإسرائيليين الذين قضوا على أيدي أبنائها يصل إلى 230 إسرائيليا ويختم ذلك القيادي بالقول " تخيل أن يكون كل الهرم التنظيمي والكادر الطلابي لكتلتك موزعاً بين سجون الاحتلال والسلطة . ثم تشارك بالانتخابات هذا هو الجنون وتلك هي شهادة الزور يطالبون بها .
الكتلة الإسلامية - المكتب الإعلامي